ينظم مسرح الحياة في مدينة بولونيا في ايطاليا مهرجان سنوي مخصص لحديث عن بلد أجنبي وعن ثقافته. هذا العام خصص المهرجان لدولة فلسطين وكان عنوانه "قلب فلسطين" واستمر لمدة 12 يوم خلال شهر تموز. تضمن المهرجان عروض مسرحية وموسيقية وفقرات رقص وسينما وذلك ليقدموا لمحة عن الثقافة والمجتمع الفلسطيني. بالإضافة الى ذلك، قاموا كل ليلة من ليالي المهرجان بقراءة رسالة من شخصية فلسطينية أظهروا فيها الارتباط بين الشخصيات الفلسطينية من شعراء وعلماء وفنانين ومحامين وشخصيات ايطالية تعمل في نفس المجالات. وبهذه الطريقة كلمات كتبها الفلسطينيون قرأت بأصوات ايطالية أمام الجمهور.
في اليوم الأول للمهرجان، يوم الخميس11 تموز قرأ رئيس بلدية بولونيا السيد فيرجينيو ميرولا كلمة رئيس بلدية بيت لحم الأستاذة فيرا بابون، كرمز للترابط بين مدينة بيت لحم ومدينة بولونيا.
فقد كتبت رئيس بلدية بيت لحم، الأستاذة فيرا بابون:
فيرا بابون
رئيس بلدية بيت لحم
دولة فلسطين
من المدينة التي وُسِم منها السلام والمحبة والأمل الى الانسانية، ومن المدينة التي وُلد منها السيد يسوع المسيح، من مدينة بيت لحم أرسل لكم جميعاً رسالة محبة وتقدير لاختيار فلسطين حتى تكون موضوع مهرجان مدينة بولونيا لعام 2013.
تكريم رسالة مدينة بيت لحم، المدينة الفلسطينية المتواضعة، لتكون أول ما يُقرأ في هذا المهرجان يُنمّي فييَّ حِسّ المسؤولية والامتنان على حدٍّ سواء. مدينة بولونيا تعتبر مدينة منظمة اليونسكو العالمية للابداع الموسيقي منذ عام 2006، ويعود هذا الى تراثها الموسيقي الواسع وانتاجها المعاصر الذي يظهر ابتداءاً من مؤلفات الأب جان باتيستا مارتيني حتى توَجُّه المؤلف البارع كلاوديو أبّادو في أوركسترا موزارت، وانطلاقاً من استعمال مسرح البلدية الذي يعود الى عام 1763 نحو المشاهد المعاصرة للموسيقى الحرّة منشطين بها مصانع النبيذ في بولونيا والحانات والنوادي والمهرجانات.
تعدّ بولونيا مدينة الثقافة والموسيقى والفنون والابداع، وهي المكان الذي تندمج فيه الطبيعة مع البشر لتخرج موسيقى فيردي التي ترفض القيود والحواجز. انها المدينة تجد صوت الموسيقى فيها وتنقلات الحركة وامتدادات الجسور بين الثقافات كلها تطرح سؤالاً مهماً وهو: كيف يمكننا أن نجعل من كل هذا العالم بيت كبير لنا، وكيف نستطيع أن نجعل من كل البشر حول العالم أفراد من أسرتنا. في مدينتنا الفلسطينية بيت لحم، أُدرِجَت كنيسة المهد وشارع النجمة التاريخي في قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو العالمية. فكنيسة المهد تُمثّل تراثنا الديني فهي المكان الذي وُلد فيه السيد المسيح له المجد، ومنه انبثقت رسالة السلام الى العالم. أما شارع النجمة فهو الطريق التاريخي الذي مرّت منه العائلة المقدسة لدخول بيت لحم في ذلك الحين كونه الممر الوحيد لبيت لحم.
كلتا مدينتينا مدرجتان في لائحة منظمة اليونسكو للابداع والمدن الثقافية، فنحن بذلك نتحد معاً تحت شعار اليونسكو الذي ينص على بناء السلام في عقول الرجال والنساء. ووفقاً لذلك فان مدينتينا مخوّلتين الى بناء السلام في عقول وقلوب الانسانية؛ فبيت لحم وفق رسالتها الالهية وبولونيا وفق رسالتها الثقافية. طوبى للذين يعملون من أجل السلام ونحن نجتمع كعاملين له متّسمين بالعمل الجادّ والتضحية.
ولكن يؤسفني القول أنه على خلاف بولونيا، فإن مدينة بيت لحم أُسوةً بكل المدن الفلسطينية شقيقاتها تعاني من غياب السلام. لقد استغرقني الأمر بعض الوقت لأفكر في رسالة أرسلها إلى الحضور في مهرجان بولونيا وتوجب علي التفكير في عكس الرسالة ومحتواها على مدينة بيت لحم وسياقها الفلسطيني والعالمي، وعلى فلسطين ووضع الاحتلال فيها، فلم أستطع التفكير في رسالة دون تصوّرها في عقلي. فلسطين هي الرسالة والصورة، وهي شجرة الزيتون المتأصلة بعمق في الأرض؛ جذورها تمثّل عراقتها وتاريخها الانساني، وحبّاتها هي النعمة التي وُجدت في الزيت المستخرج منها وفي رسالتها السماوية. أوراقها الخضراء تمثل خصوبة طبيعتها وقلوب أهلها. أما فروعها فتقف صامدة في وجه الرياح وحرارة الشمس، تقف بفخر ناظرةّ نحو السماء حيث تُوجد الحرية بلا حدود. تبدأ وتستمر رواية فلسطين وكل فلسطيني في شجرة الزيتون لتعبِّر الى المجتمع الانساني عن رسالة صموده وكرمه ومرونته التي تتوق الى الحواجز غير المحدودة حيث ترقص الحرية على ايقاعات الرياح.
لعقود عدة، شوِّه السرد الوطني الفلسطيني من قبل الاحتلال وما نتج عنه من خنق وتشتت واعتقال وهدم وترحيل ومصادرة أراضٍ واستنكار. تشتت الشعب الفلسطيني في كل بقاع الأرض ليبني دولاً أخرى بينما مُنِع الكثيرين من العودة الى أرضهم وبلدهم وحُرموا من التمتع في ظلال شجرة الزيتون والسماء الفلسطينية الصافية.
أمّةٌ صمدت بثبات لتجعل العالم يسمع ويُقرّ بقضيتهم الانسانية والوطنية ويعترف بحاجتهم الملحة وبحقهم بالحرية. الأسرى والجرحى والشهداء واللاجئين هم أبطال الملحمة الفلسطينية. أما السجون والشوارع والمستشفيات والقبور والوديان والجبال فقد رافقتهم لتصبح الشخصيات الأساسية في حكاية ملحمة الشرفاء.
قال بطريرك القدس بيلتريتتي ذات مرة بينما كنت أشارك في قدّاس في كنيسة المهد عندما كنت سبعة عشر عاماً فقط "النعمة تسكن في رحم المعاناة. تعلموا أن تعطوا لها ميلاداً". فمن دون الصليب لن نتمتع بنعمة الخلاص. في الأراضي المقدسة حيث مكان ولادة وقيامة السيد المسيح، يعاني الفلسطينيين منذ عقود ولكن يقفون بصمود حتى يجدون الاحساس بالنعمة المتمثل بالعدالة والحرية. وبالرغم من المعاناة الظالمة فقد تبارك الفلسطينيون "مع التسامح والقبول، تُعطى روح لا تُقهر وارادة لا حدود لها".
أصبح السلام والعدالة والحرية هدفاً. ففي شهر تشرين الثاني من العام 2012 صوّت المجتمع الدولي بالإجماع لصالح الاعتراف بدولة فلسطين. أهو حلم يتحقق أم يُؤجّل؟ على الرغم من الاعتراف بدولتنا الا أننا لا زلنا نعيش في ظل الاحتلال الخانق، احتلال يفرض جداراً فاصلاً. فالجدار يمتد حول كل مدينة فلسطينية قاتلاً قابليتها نحو التنمية والحرية والوجود الانساني. ولا تنفك المستوطنات تُبنى على الأراضي التي تشكّل قلب دولة فلسطين عازلةً اياها في مناطق نحن في أمس الحاجة اليها للتطوير والاستدامة؛ فالمنطقة (ج) التي تُشكل ستين بالمائة من أراضي عام 1967 لا يسمح فيها بناء المنازل ولا المستشفيات ولا حتى ملاعب للأطفال، ولكن يبقى الصمود والقدرة على الاحتمال جلياً في الرواية الفلسطينية.
تراثنا وثقافتنا هما أفضل شاهدٍ لنا، والكوفية رمزنا لأنها تقف على أمة تسعى الى التحرر من الواقع المظلم من أجل التمتع بمستقبل مزهر. فأفضل شاهدٍ على وجودنا وعلى تحلّينا بالأمل هو رقصتنا التقليدية التي تدعى الدبكة، وشِعرنا وأغانينا وفنوننا مثل التطريز. كلٌّ يُوثّق سطراً في روايتنا وقصتنا الملحمية. لازال الفلسطينيين يبرعون في المقاومة والصمود من خلال تراثهم الثقافي بالرغم من كل عوامل القمع والاحتلال. اليوم في مدينة بولونيا نَجِد منزلاً. اليوم تُسمع رسائلنا، وتُعزف موسيقانا، وتُرقص دبكتنا ويُعتَرف بوجودنا.
وبذلك أغتنم الفرصة لدعوتكم جميعاً الى زيارة مدينتنا المتواضعة بيت لحم في جولتنا فلسطين للاستمتاع بجمال مواقعها التاريخية، ومراقدها الدينية، وجمال طبيعتها وضيافة أهلها.